المنجي بوسنينة

86

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

فلسطينيّا يبكي والدم يشخب من أنفه ، فقال له : « لا تبك يا بنيّ ، ولا تخف ، لعلّ نزف أنفك من حرارة الشمس » . فأجابه الطفل : « لا يا عمّي ، لست بخائف . أنا أبكي لأنّي بحثت اليوم عن قبر أمّي في المقبرة فلم أعثر عليه » . وكان لهذا الحدث الحقيقيّ صدى في نفس بديع ، نتج عنه أثر قريب هو كتابة قصة « ضياع » ، ونشرها ضمن مجموعة « التراب الحزين » ، وبعد ذلك الحدث بربع قرن ، عادت صورة ذلك الطفل إلى الذاكرة في كتابة سيرته الذاتية « الشجرة التي غرستها أمّي » . كانت قصص « التراب الحزين » من ذلك النوع الشجيّ المفعم بالمشاعر الصادقة التي تصوّر حال الفلسطينيين اللاجئين ، وترسم أحلامهم في العودة إلى وطنهم المحتلّ ، وتكاد تكون مقصورة على العام الأوّل من نكبتهم ( من 16 / 5 / 1948 إلى 31 / 1 / 1949 ) . ولقد كانت مجموعة « التراب الحزين » استمرارا للعلاقة القديمة بين بديع حقي والقضيّة الفلسطينية ، إذ كتب رسالة الدكتوراه عن هذه القضية من منظور الحقوق الدوليّة ، ثمّ شرع مع مجموعة « التراب الحزين » يرتبط بها نفسها في القصّة والرواية . وقد استمرّ ارتباطه بها طوال حياته بعد ذلك . ففي مجموعته القصصيّة « نجوى زهرة البوكسيا » قصّة عنوانها « الشهيد » ، وعنوان مجموعته القصصية الثالثة « قوس قزح فوق بيت ساحور » دالّ على الأمر نفسه . أما روايات بديع حقّي الثلاث فمعرض شائق لأسلوبه الفريد ، ذلك الأسلوب التصويري الذي يرصد الجزئيات ويبني منها عالما فنّانا ، يحكي أحداثا ذات طبيعة رومانسيّة سوداء ، فيها كثير من البؤس وقليل من الفرح ، وينجح في أن يخلق منها عالما روائيّا مقنعا مؤثرا . فالبطل في « همسات العكازة المسكينة » أعمى ، ولكن عكازته تدبّ فيها الحياة ، فتفكّر طوال الرواية ، وتفرح وتتألّم حتّى تغدو شخصيّة قريبة من القارئ ، تبوح له بأفكارها وخوفها وتردّدها وتاريخها . ولو لم يشخّص بديع حقي العكازة على هذا النحو لما اكتسبت الرواية أهمّيتها من حكاية حمدو وأخته عيشة ، ولما بلغت في طولها أربعا وأربعين ومائتي صفحة . وللحدث في الرواية ، وفي الروايتين الأخريين ، أصل واقعي . إذ استلّ حلّاق إحدى القرى نور عيني طفل ، ولكن عمى الطفل لم يمنعه من الذهاب إلى المدينة للبحث عن أخته المفقودة . وقد كتب بديع حقي هذا الحدث في قصّة قصيرة عنوانها « اللص والعكازة » ، ثمّ اتّسع بالقصّة فجعلها رواية عنوانها « همسات العكازة المسكينة » . شأنه في ذلك شأن جاره الذي أصيب بالفالج : فقد كتب عنه قصّة « في الوحل » ثم توسّع فيها فجعلها رواية عنوانها « أحلام على الصيف المجروح » . ولا تخرج مقالات بديع حقّي عن هذا الاتجاه ، في أسلوبها اللغوي ، وفي قدرتها على الجنوح بالحدث المباشر وبالمعارف الحقيقية إلى شيء من التصوير ، كما فعل في مقالاته المجموعة في كتاب « قمم في الأدب العالمي » ، حين كتب عن تولستوي ، وجويس ، وبروست ، ومالارميه ، ولوركا . وكما فعل في مقالاته عن الفن والموسيقى والغناء بأسلوب مرهف ، يكاد من روعته يأسر